محمد هادي معرفة

287

التمهيد في علوم القرآن

وقد يتراءى لبعض الباحثين الجدّد ، أن التعبير بلفظ « المصحف » الوارد في أحاديث الرسول وعلى لسانه - صلّى اللّه عليه وآله - ليصلح شاهدا على وقوع الجمع وتنسيق السور مع بعضها ، في ذلك العهد ، إذ لو لم يكن هناك تدوين وجمع ، بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن ، لما صحّ هذا التعبير ولا كان ثمة مبرّر لاطلاق لفظ « مصحف » أو « مصاحف » على القرآن « 1 » . لكن لا موضع لهذا الاستشهاد ، بعد ان كان « المصحف » اسما لمجموعة صحائف مكتوبة انضم بعضها إلى بعض ، وربما ربطت بخيط ونحوه ، أو وضعت في ملفّة أو إضبارة وما شاكل ، حفظا لها عن التفرق والضياع ، سواء أكان بينها تنسيق ونظم ، ليصح اطلاق التدوين عليها ، أم لم يكن . قال ابن دريد : والصحف ، واحدتها صحيفة ، وهي القطعة من أدم ابيض أو رقّ يكتب فيه . وتجمع صحائف ، وربما جمعوا الصحيفة صحافا . . . والمصحف - بكسر الميم - لغة تميمية ، لأنه صحف جمعت ، فأخرجوه مخرج مفعل ممّا يتعاطى باليد . وأهل نجد يقولون : المصحف - بضم الميم - لغة علويّة ، كأنهم قالوا : أصحف فهو مصحف إذا جمع بعضه إلى بعض « 2 » . وقال الخليل : وسمّى المصحف مصحفا ، لأنه أصحف ، أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفّتين « 3 » . وكانت السورة القرآنية تكتمل وتكتب آياتها منظمة ومرتبة حسب النزول ، حتى تنزل سورة أخرى بنزول بسملتها . وكانت تكتب في ورقة من قرطاس أو قطعة من أديم أو رق ، وتحفظ برأسها . وهكذا كل سورة سورة . ومن طبيعة الحال ان هذه السور المكتملة كانت تحتفظ وتجمع في مكان . في نحو ملفّة أو إضبارة ونحو ذلك . ولكن من غير أن يجعل بينها ترتيب أو تنظم بتقديم الطوال على القصار على غرار

--> ( 1 ) حقائق هامة : ص 82 . ( 2 ) جمهرة اللغة : ج 2 ص 162 . ( 3 ) العين : ج 3 ص 120 .